ابن أبي العز الحنفي
441
شرح العقيدة الطحاوية
والشر ليس أليك » « 614 » . وكذا في حديث الشفاعة يوم القيامة ، حين يقول اللّه له : يا محمد ، فيقول : « لبيك وسعديك ، والخير في يديك ، والشر ليس إليك » « 615 » . وقد أخبر اللّه تعالى أن تسليط الشيطان إنما هو على الذين يتولونه والذين هم به مشركون ، فلما تولوه دون اللّه وأشركوا به معه - عوقبوا على ذلك بتسليطه عليهم ، وكانت هذه الولاية والإشراك عقوبة خلوّ القلب وفراغه من الإخلاص . فإلهام البر والتقوى ثمرة هذا الإخلاص ونتيجته ، وإلهام الفجور عقوبة على خلوّه من الاخلاص . فإن قلت : إن كان هذا الترك أمرا وجوديّا عاد السؤال جذعا « 616 » ، وإن كان أمرا عدميّا فكيف يعاقب على العدم المحض ؟ قيل : ليس هنا ترك هو كفّ النفس ومنعها عما تريده وتحبه ، فهذا قد يقال : إنه أمر وجوديّ ، وإنما هنا عدم وخلو من أسباب الخير ، وهذا العدم هو محض خلوّها مما هو أنفع شيء لها ، والعقوبة على الأمر العدمي هي بفعل السيئات ، لا بالعقوبات التي تناله بعد إقامة الحجة عليه بالرسل . فلله فيه عقوبتان : إحداهما : جعله مذنبا خاطئا ، وهذه عقوبة عدم إخلاصه وإنابته وإقباله على اللّه ، وهذه العقوبة قد لا يحس بألمها ومضرتها ، لموافقتها شهوته وارادته ، وهي في الحقيقة من أعظم العقوبات . والثانية : العقوبات المؤلمة بعد فعله للسيئات . وقد قرن اللّه تعالى بين هاتين العقوبتين في قوله تعالى : فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ الانعام : 44 .
--> ( 614 ) صحيح وهو طرف من حديث علي في دعاء الاستفتاح ، وهو مخرج في « صفة الصلاة » ( ص 73 ) الطبعة الحادية عشر ، طبع المكتب الاسلامي . ( 615 ) رواه البزار عن حذيفة موقوفا ورجاله رجال الصحيح ، والطبراني في « الأوسط » عنه مرفوعا ، وفيه ليث بن أبي سليم وهو مدلس ، وبقية رجاله ثقات ، كذا في « المجمع » ( 10 / 377 ) . وقلت ومن طريق [ الليث ] أخرجه الحاكم أيضا ( 4 / 574 ) وقال : « وقد استشهد بليث بن [ أبي ] سليم » . ( 616 ) قال عفيفي : انظر ص 329 من « مختصر الموصلي للصواعق المرسلة » لابن القيم ط مكة ؛ وص 331 ج 14 من « مجموع الفتاوى » .